ما هو السلام

بعد إلقائنا لبعض الضوء حول الخلفية التاريخية والمكونات الأساسية لمفهوم » المجتمع المدني » سنحاول الآن تكوين فكرة على مفهوم « السلام » يقصر الناس عادة في مفهوم لفحوى السلام على أنه ضد لمفهوم الحرب، على الرغم من قوة صحة هذا الفهم، فإنه يلغي الغنى والتنوع الدلالي الذي نكتنفه فكرة السلام.
 

جوهريا، يمكننا القول أن السلام يتضمن ثلاثة معاني مختلفة لكنها مترابطة. أولها هو المشهور والمتداول حيث تترابط الثنائية (حرب-سلم)، ونقصد به السلام السياسي. فقرار الحرب أو اللاحرب تتخده القوى السياسية. و من ثمة، فالسلام يعود على الحالة السليمة السائدة في فترة غياب النزاعات المسلحة. أيضا، من الناحية السياسية، السلام يعني التهدئة وقف إطلاق الدار على إثر توقيع معاهدة سلام بين الأطراف المتنازعة.
 

اجتماعيا، يمكن الحديث عن السلام أو السلم الإجتماعي حينما يكون هناك إنسجام وتوافق وغياب الشجارات في وضعية اجتماعية معينة. كذالك يمكن الحديث عن السلم الاجتماعي عندما تغيب القلاقل الاجتماعية ويسود الأمن العام في الأماكن العمومية والممتلكات.
 

من الناحية السيكولوجية، فعبارة »هدوء البال » والتي توافق في اللغة الإنجليزية « the peace of mind » تعطي بعدا نفسيا لكلمة السلام. وهي تحيل إلى الحالة التي تخلو من القلق والضغط الذهني، الذي يؤدي بدوره إلى علل نفسية وخيمة. وهكذا يتبين أن فكرة السلام ليست نقضيا للحرب فحسب، وإنما هي ذات دلالة ثلاثية الأبعاد. بعد سياسى وبعد اجتماعي وبعد نفسي. سنعمل في هذه المداخلة على مناقشة هذه الأبعاد في علاقاتها مع المجتمع المدني.
 

« المجتمع المدني » و « السلام السياسي »
يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورا مهما في المناطق المتوترة. بمعنى آخر، يمكنه أن يتدخل لوقف العواقب الوخيمة للحرب. على سبيل المثال، خلال زمن الحرب يمكن أن تقع خروقات كبيرة لحقوق الإنسان. إضافة إلى هذا، فالحرب لها نتائج سلبية على الإقتصاد دون أن نغفل نتائجها النفسية السيئة الوقع على الإنسان. فعندما يتخد رجال السياسة قرار الحرب، يبدو أنهم يغضون الطرف على كل هذه النتائج السيئة الوقع على العموم. لهذا يعمل النشطون في الحقوق المدنية كعامل ضبط يستعيد للإنسانية كرامتها. وهذا ما حدث عدة مرات في التاريخ البشري.
 

ويمكن أن نأخذ كمُال حرب الفيتنام المدمرة (1973-1957) حوالي000 58 أمريكي لقوا حتفهم في هذه الحرب القدرة.
وفاق عدد القتلى في صفوف الفيتناميين الجنوبيين المليون، بينما فقد الفيتناميون الشماليون ما بين000 500 ومليون ضحية. إضافة إلى كل هذا، فالحرب أثرت بصفة مباشرة على المواطنين الأمركيين الذين وجدوا أنفسهم مكرهين لأداء فاتورة الحرب، حيث أن الرئيس الأمريكي آنذاك President johson)) وجد نفسه مجبرا على رفع الضرائب للإستجابة لنفقات الحرب المتعاظمة. وهكذا وجد الأمريكيون نفسهم يمولون حربا تحصد أرواح أبنائهم، حربا حطمت الرقم القياسي آنذاك في خرق حقوق  المدنيين أثناء الحرب. كل هذا دفع بالمجتمع المدني للتحرك قصد إيقاف نزيف هذه الحرب القدرة والمرعبة.
 

نظم النشطون المدنيون الذين كانوا يعارضون لكن الكلمة الأخيرة كانت للحمائم الذين حشدوا الجماهير للإحتجاج على وحشية الحرب أنفسهم تحت اسم الحمائم. فيما نظم المناصرون لفظاعة وبشاعة الحرب أنفسهم تحت إسم الصقور. الحرب ومضاعفتها الإجتماعية والإقتصادية والنفسية. فكانت مظاهراتهم عارمة أيقظت الشارع الأمركي. فنتج عن ذلك معارضة عريضة وقوية في الرأي العام الأمريكي لهذه الحرب.                                                  
 

كانت النتائج المباشرة للحملات السليمة التي قام بها الحمائم كالتالي . أو لا، اضطر الرئيس Johnson  إلى تقليص قنبلة الفيتنام الشمالية. ثانيا، نادى إلى فتح محادثات لإيقاف الحرب. ثالثا، عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية لسنة    1968.وهكذا، افتتحت محادثات السلام في باريس لتخلص إلى قرار وقف إطلاق النار في يناير 1973. وبعد شهرين من ذالك، غادرت آخر القوات البرية الأمريكية الفيتنام. ولم يكن ذالك ليحصل لولا شدة وقوة المظاهرات التي نظمها المجتمع المدني.                                                                                                        
 

الحالة الثانية التي يمكن أن نعتمدها لتوضيح الدور الحيوي الذي يقوم به المجتمع المدني في زمن الحرب هي حالة                 إسبانيا . بعد أحدات سبتمبر 2001 التي استهدفت مركز التجارة العالمي في نيويورك New york، اتخذ                الرئيس    George w :Bushقرار بغزو أفغانستان. بدا القرار مقبولا إلى حد ما. لكنه ما فتئ أن اتخد   قرارا آخر غريبا بغزو  العراق. نظم النشطون في مؤسسات المجتمع المدني عبر العالم مظاهرات ضد الحرب غير العادلة المعلنة غريبا بغزو العراق. نظم النشطون في مؤسسات المجتمع المدني عبر العالم مظاهرات ضد الحرب غير العادلة المعلنة من طرف أمريكا. ولكن عكس توقعات وانتظارات الشعب الإسباني والمنظمات المدنية الأوربية، قررت الحكومة اليمينية برئاسة خوسي ماريا أثنارالإنضمام إلى الغزو. حوالي سنة بعد ذلك، نظمت الإنتخابات الرئاسية في إسبانيا. تحرك المجتمع المدني خلال الحملة الإنتخابية قصد الإطاحة بالحكومة اليمينية. وتسنى له ذلك بحيث تلقت هذه الحومة هزيمة نكراء. فيما قررت الحكومة الجديدة برئاسة زابتيرو بسحب الجنود الإسبان من العراق مباشرة بعد الإنتخابات.                        بناء عليه، يمكننا القول بأن للمجتمع المدني دورا مهما وفعالا في ضبط القرارات السياسية غير المسؤولة.  القرارات التي تمشي ضد القيم الإنسانية الأساسية وتقضي على سيرورة السلام  الحيوية بالنسبة بالوجود الإنساني. إن الحروب لم تكن حلا مناسبا لحل النزاعات المسلحة . عند ذاك، ستكون قراراتهم منبتقة من تعهد إنساني قوي وتفهم  عميق لوظيفتهم الإنسانية قبل كل شيء. وبخلاصة شديدة، فإن هيئة المجتمع المدني تمثل نظام المناعة الذي بدوره تكون هيئة السياسيين مصابة بمرض عضال.
 

المجتمع المدني والسلم الإجتماعي
وتتدخل هيئة المجتمع المدني أيضا عندما تكون سيرورة السلام مهددة داخل نفس المجتمع. لا يمكن لمجتمع ما أن يعرف طريقه إلى التطور، إذا كان يعاني من الإضطراب الإجتماعي . والإجتماعي يأتي نتيجة للفقر والبطالة والتشرد والجور والعنصرية وخرق حقوق الإنسان الأساسية إلى غير ذلك من الأمراض الإجتماعية.
الكثير من الفاعلين المدنيين يعملون في المجالات لتحقيق الأمن الإجتماعي.
 

على سبيل المثال، تعتبر العنصرية واللاتسامح من الرذائل الإجتماعية الفظيعة. ولايمكنها أن تتنامى إلا في المجتمعات حيث المجتمع المدني لا يقوم بالدور المنوط به لمحاربة هذه الرذائل. فمحاربة العنصرية واللاتسامح تتطلب التحرك من طرف الحكومات، وتتطلب بإلحاح أكثر الإنخراط الكامل للمجتمع المدني بكل فعاليته. إن نهاية نظام الأبريات Apartheid في جنوب إفريقيا لم تكن نتيجة للعقوبات السياسية والإقتصادية فحسب، وإنما جاءت أيضا كثمرة للجهود العظيمة التي قامت بها فعاليات المجتمع المدني داخل وخارج جنوب إفريقيا.
 

نفس الشيء حصل في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لعب المجتمع المدني دورا حاسما في القضاء على العزل العنصري الذي كان ينخر المجتمع الأمريكي. لقد قدرت لجنة حقوق الإنسان المنبتقة على الكونغرس الأمريكي أنه على الأقل نصف عدد الأطفال الملونين يجبرون على الذهاب إلى مدارس العزل العنصري في الوظائف والسكن وغير ذالك من الوضعيات الإجتماعية. وهكذا نبهت هذه اللجنة رجال السياسة الأمريكيين من أصل إفريقي يعانون من الفقر ويتعرضون للميز العنصري في الوظائف والسكن وغير ذالك من الوضعيات الإجتماعية. وهكذا نبهت هذه اللجنة رجال السياسة الأمريكيين إلى الخطر الإجتماعي الذي من شأنه أن يؤدي إلى ثوران اجتماعي. مما دفع بالحكومة الأمريكية إلى اتخاذ مجموعة من القرارات للحد من هذه المعضلة الإجتماعية.
 

تعتبر الإبادة الجماعية من أبشع مظاهر العنصرية واللاتسامح. وأوضح صورة لهذا النمط من العنصرية في التاريخ الحديث، هو إبادة البوسنيين من طرف الصرب في التسعينات بعد تفكيك الجمهورية اليوغوسلافية. لم يحرك السياسيون ساكنا في البداية أمام هذه الإبادة. لكنهم وجدوا أنفسهم مجبرين على فعل شيء ما بعدما لاحضوا التحرك القوي للمجتمع المدني خصوصا في أمريكا وأوربا. حيث تم تنظيم مظاهرات عارمة ضد الصمت المريب للحكومات والأمم المتحدة وتم فضح الإبادة عبر وسائل الإعلام.
 

في بعض الأحيان، يمكن أن ينتج الإضطراب الإجتماعي عن نكبات طبيعية. هذا أيضا، يلعب المجتمع المدني دورا بارزا للحد من النتائج الوخيمة للكوارث الطبيعية. وأوضح مثال يمكننا التطرق إليه هو ظاهرة التسونامي Tsunami التي ضربت دول جنوب شرق آسيا. إن أول من وصل إلى المناطق المنكوبة هم الفاعلون في منظمات ومؤسسات العمل المدني. فيما استغرق الساسة وقتا كبيرا في المؤتمرات والمشاورات حول مديد العون للمنكوبين. ولا زالت فعاليات المجتمع المدني في أوربا وأمريكا تجمع التبرعات لإغاثة وتحسين ظروف عيش ضحايا ظاهرة التسونامي.
 

عندما حلت بشمال المغرب فاجعة زلزال الحسيمة، وجدت الحكومة نفسها وضع حرج. إذ كان من الصعب تلبية الحاجيات اليومية الكبيرة لضحايا الزلزال. هذا أيضا، تحركت منظمات المجتمع المدني المغربي داخل وخارج البلادمن خلال الجالية المقيمة في الخارج. اتخذت هذه المنظمات على عاتقها تعبئة الرأي العام الوطني واستعملت كل الموارد المتوفرة لديها للمساعدة والإغاثة. وهكذا اهتمت بتوفير الملاجئ للمتشردين والغذاء للجائعين والرعاية للمرضى.
 

ونحن نتحدث على المغرب، لا يمكننا غض الطرف عن الدور الذي قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة في تأسيس الأمن الإجتماعي والمحافظة عليه. فقد عقدت جاسات الإستماع لضحايا الشطط وخرق حقوق الإنسان. كما أنها دفعت تعويضات مالية لهؤلاء الضحايا ووفرت لهم متابعة طبية. وقد ساعدت هذه الأعمال المدنية الإجتماعية إلى استعادة الطمأنينة والثقة في أوساط المجتمع المغربي.
 

المجتمع المدني والسلام النفسي
في الحياة الحديثة مليئة بالمشاكل، حيث نعيش الشعوب باستمرار تحت وطء الإكراهات الإقتصادية والإجتماعية واحيانا السياسية، وهذا يؤدي إلى اضطرابات نفسية متنوعة. فالأشخاص الذين عانوا من سوء المعاملة على الصعيد السياسي أو الإجتماعي لمجرد انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الجنسية، يتعرضون لندب سيكولوجية بليغة لا تؤثر على حياتهم الشخصية فحسب، وإنما تؤثر على المجتمع برمته. لدا، فإن الإنتماء يشكل صمام أمان من الآثار النفسية الكارثية الناتجة على هكذا خروقات. ومن أجل كل هذا، فإن المواطنين مدعوون إلى الإنخراط والمشاركة وإنشاء مؤسسات ومنظمات وهيئات المجتمع المدني.
 

في الدول غير الديمقراطية، تزعم الحكومة بأنها تحترم وتضمن الحقوق المدنية لمواطنيها. لكنها لا تسمح لهيئات المجتمع المدني بالتحرك. والنتيجة هي حرمان المواطنين من الحقوق الأساسية كحق التغيير وحق التجمع والحق مي الوصول إلى المعلومة من مصادر صحافية مختلفة ومستقلة. وهذا يؤدي حتما إلى مشاكل نفسية كالإحباط والكآبة والخضوع التي تنتشر بين أفراد المجتمع.
 

أيضا، بعد زمن الحرب، تظهر دائما أعراض أمراض نفسية معقدة. وأهم مثال نورده في هذا الصدد هي حالة الجنود الأمركيين الذين شاركوا في فضاعة حرب الفيتنام. لقد كانت الفظاعة بشعة لحد تركت ذكريات مزعجة لدى الجنود. وعند عودتهم للحياة المدنية، وجدوا صعوبة بالغة في الإندماج في المجتمع من جديد. فازتفعت بين صفوفهم حالات الطلاق والتعاطي للمخدرات والإنتحار والتورط في الجريمة المنظمة والبطالة. ففضل أغلبهم العزلة ظنا منهم أن الأمة التي دافعوا عنها قد خذلتهم ولم تعترف بتضحياتهم الجسيمة. هنا أيضا، كان على المجتمع المدني أن يتدخل لإصلاح ما أفسده الساسة. فنظم الفاعلون المدنيون أنفسهم في لوبيات (جماعات الضغط) للدفاع على قضية هؤلاء المحاربين في الكونغرس الأمريكي. كما كونوا منظمات الإغاثة التي تعيل هؤلاء المحاربين في الكونغرس الأمركي. كما كونوا