.
نداء وليلي
 

وأنا أتجول بين أطلالها، فإذا بصوت خافت يتسرب إلى مسامعي يناديني مستنجدا، توقفت والتفت من حولي باحثا عن مصدر الصوت فلم أجد شيئا ….قلت مع نفسي ربما هيئ إلى…فواصلت تجوالي، وما هي إلا بضع خطوات خطوتها حتى عاد الصوت من جديد يناديني بنبرة حزينة مستعطفا متوسلا…..أن أخفيكم سرا ولن أبالغ إن قلت أنني أحسست بقشعريرة في جسمي وشعر رأسي قد توقف من القلق والخوف اللذان انتاباني….. توقفت عن المسير مستمرا في مكاني وأنا بالكاد استطعت أن أبلع ريقي تلفت من حولي في هدوء وعيناي تجوبان المكان بحثا عمن يكون صاحب هذا الصوت الذي يترصدني فلم أجد شيئا فاز داد قلقي وخوفي وأنا في حيرة من أمري …. ولغرابة الموقف بدأت أتسائل عن صاحب هذا الصوت، ولما لم يسمعه الآخرون، أقصد جمهور السياح الذين حجوا لزيارة الموقع سواي…
 

هل لأنهم غرباء؟…أم أنهم مجرد عابري سبيل …. تماسكت وجمعت أنفاسي ونفضت رأسي من الوساوس التي بدأت تلقي بطلالها عليه، والتي كادت أن تشغلني عما جنت من أجله …
 

تحركت قدماي مواصلة سيرها دون مبالاة بالصوت الذي يتعقبني….. توقف الصوت عن ملاحقتي وحررني من قاقي ودهشتي واستغرابي … لكن الغريب والمدهش في ذات الوقت هو كلما وقفت عند أي ركن من أركان هذا الموقع الأثري الجميل الضارب في القدم (والذي يعود تاريخ نشاته إلى القرن الثالث بعد الميلاد، والذي شهد أبهى فترة ازدهاره كما عرف تجمعا حضريا متميزا بين الرومان والمغارب (الأمازيغ والعرب)، (واليهودية والمسيحية والإسلام) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قمة التعايش السلمي الحضاري التي كانت تجسده هذه الثقافات المتنوعة في ذلك العهد والتي بقيت متجدرة في بلادنا إلى يومنا هذا) … إلى وشدني إليه لروعة جماله والحسرة والأسى للحالة التي آل اليها ، واحسرتاه….
 

وما كادت جولتي تنتهي حتى تبادر إلى ذهني، ما استخلصته من مشاهدتي عند تجوالي بين الأطلال المتبقية من العهد الروماني لمن كان هذا الصوت الذي كان يناديني عند البداية…
 

وفي طريق عودتي وأنا أتأهب للمغادرة توقفت واستدرت نحو واستدرت نحو ناظرا إليه بنظرات ملؤها الحزن والأسى، وفي نفسي حسرة شديدة، إذ بالصوت يعود من جديد يناديني بل يحدثني قائلا: نعم أنا وليلي، أنا التي كنت أنا أناديك، أرجو أن تكون قد أدركت سبب استنجادي…. أناشدك يا زائري بحق التاريخ وبحق الأرض والسماء وبحق الماء والهواء الذي يجمعنا أن تبلغ ندائي إلى الواصين علي ولمن يهمهم أمري… وأخبرهم عن حالي، وقل لهم إن وليلي تحتضر يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، وإن لم يدركوني سيكون الموت مصيري والإندثار، وأضيع كما ضاعت مواقع أثرية كثيرة أخرى من قبلي، بعد