لا أدري كيف ساقتني قدماي إليها، حتى وجدت نفسي ألج بابها، ربما هو الحنين أو ذلك العشق الدفين الذي ربطني بها في صغري و الذي ظهر فجأة وحرك وجداني و دفعني لزيارتها، لأجدد صلتي بها وأعيد ذكرياتي معها، ربما… 

دخلتها و ياليتني ما دخلتها و لا حتى هزني ذلك الحنين الذي حرك وجداني و ساق قدماي إليها، لأرى ما أرى فأصدم، آه.. لحال واقعها بعد أن كانت فردوسا و ملاذا يلجأ إليه كل هارب من تعب الحياة وصخب الشارع ليرتمي في أحضانه قصد الترويح عن نفسه و الاستجمام به مستنشقا عبف أزهاره و مستمتعا بتغاريد طيوره، وهو جالس على أحد كراسيه أو مستلقيا على عشبه تحت ظلال أشجاره الوارقة و المتنوعة… و هذه حقيقة يعلمها كل من حج إليها وعرفها  عن قرب في زمان عزها وصولتها يوم كانت بحق معلمة بيئية يقصدها القاصي و الداني وكل من زار  مكناسة الزيتون، ورآها اليوم من الأكيد سوف يصدم مثلي ، و يأسف لها و يرثي لحالها ، حيث لم يبق منها سوى مسرحها و ما حوله، والذي حتى كوالسه لم تنجو من الغزو و الاحتلال ، و لولا بعض الأنشطة التي تقام فوق خشبته من عروض مسرحية و سهرات  فنية لكانت تحولت هي الأخرى إلى بيوتات، أما نصفها الثاني و هذا هو بيت القصيد و الذي ضرب عليه سياج من الإسمنت و الحديد، حيث حرم بذلك الزوار منه، و الذي ينقسم إلى جزئين: حيث تعرض الجزءالأول والذي في الأعلى إلى الخراب و التلف  و قص أشجاره و بيعها، أما الجزء الثاني الذي في الأسفل فقد احتل و أصبح تابعا لإقامة سكن حضرة مديرها و كأنه في ملكه وليس تابعا للملك البلدي الذي هو ملك عمومي

:الباب المؤدي إلى الجزء الأعلى    lhboul porte

                                         :الخراب الذي لحق الجزء الأعلى    

lhboul

 

 

 

و إنني لأأسف على أنه لايزال في بلدنا الحبيب تعطى امتيازات لأناس -لا يستحقونها- بعد أن يقلدوا مناصبا و يتربعوا على كراسي لا يمتون لها بصلة من ناحية الأهلية طبعا، و إنما حصلوا عليها هكذا، بقدرة قادر، و (الفاهم يفهم) . أما الجزء المخصص لما يطلق عليه اسم حديقة الحيوانات و التي شيدت سنة  1988 في إحدى المناسبات الوطنية، و التي استبشر سكان المدينة بها خيرا لكونها ستكون متنفسا و منتزها يأمه الكبار و الصغار ، الآباء و الأبناء. كما كان هناك التفكير في توسيعها أي حديقة الحيوانات لكن الله لطف و لم يظهر هذا المشروع لحيز الوجود، لأن في تطبيقه كانت ستكون جريمة شنعاء في حق تلك المخلوثات النباتية، خاصة تلك الأشجار المتنوعة والناذرة و التي يفوق عمرها السبعون سنة على أقل تقدير، و التي في الحقيقة ما هي إلا محمية لبعض الخنازير و القردة، حيث كان من الأجدر أن تخصص للطيور كما كانت في سابق عهدها عند نشأتها. 

ومن هذا الباب و من أسفي و حسرتي عليها كواحد من أبناء مدينة مكناس الغيورين أتساءل، كما سيتساءل مثلي كل من زارها اليوم ، مكناسيا كان أو ضيفا على المدينة أو زائرا عرفها في الماضي ، عن سبب هذا التحول الذي طرأ عليها و الذي هو للأسف تحول سلبي انتقل من الأحسن إلى الأسوء. – سيتساءل عن أشجارها و دوائحها و الخراب الذي لحقها و الناتج عن عدم صيانتها و الرعاية الكافية لها من ري، حيث لم تعد تسقى إلا بمياه الأمطار، وعدم معالجة جدوعها و جدورها من بويضات الحشرات الضارة، الشيء الذي كان سببا رئيسيا في تسوسها و مرضها و جعل الطيور تهجرها بعدما كانت تأخذ منها إقامة دائمة في السابق. 

– سيتساءل عن قصب الخيزران الجميل و الذي كان يرصف جنبات ممراتها بشكل جميل و متناغم مع الأشجار و الذي قل إن لم نقل اندثر. 

– سيتساءل عن أشكال زهورها وورودها البهية ذات الرائحة الزكية و التي كانت تضفي جمالا على المكان بمنظرها و عبق أريجها ، أين اختفت؟ 

– سيتساءل عن عشبها الدائم الاخضرار و كأنه بساط من سندس و التشوه الذي لحقه و كأنه أصيب بالبرص. 

– سيتساءل عن كراسيها الخشبية ذات الطلاء الأخضر و التي استبدلت بأخرى إسمنتية لا تمت بصلة لا للمكان و لا للطبيعة. 

– سيتساءل عن مراحيضها…، سيتساءل و يتساءل… 

و حتى لا أطيل في السؤال، أرفع تساؤلاتي هاته لمن يهمهم الأمر من الواصين على المناطق الخضراء بالمجلس البلدي سامحهم الله عن غضهم الطرف عما يجري بهذه الحديقة الجميلة، والذي لا أدري هل هو مقصود أم لا؟، كما أرفعها كذك إلى الوزارة الوصية على البيئة أن تلتفت هي الأخرى إلى هذه المعلمة البيئية لأنها هي فعلا كذلك، وتستحق كل العناية حتى تعود إلى سابق عهدها أي إلى مصاف الحدائق و المنتزهات الوطنية و الدولية. 

عبـــــد الرفيـــــع عبـــــدون