تناولت إحدى حلقات برنامج "و تستمر الحياة" الذي تبثه القناة الثانية  في نهاية كل شهر، ظاهرة البطالة التي يعاني منها حملة الشهادات العليا بمن فيهم الدكاترة، و حاملو دبلوم الدراسات المعمقة و المجازون.و قد نجحت هذه الحلقة في الكشف عن الوجه الآخر للطلبة المعطلين، و ما يعانو نه يوميا على مستويات عدة بما فيها العيشة، السكن، النقل… و باختصار شديد الحصول على لقمة العيش في مجتمع يطفح بالمتناقضات، و يعرف فيه مستوى العيش ارتفاعا مستمرا، تغذيه في الآونة الأخيرة، الزيادة في أسعار المحروقات، و ارتفاع الاقتطاعات الضريبية، و اقتطاعات التغطية الصحية …و مما استوقف المشاهدين أكثر ثلاث نقط رئيسية:

أولها : أهمية و قيمة الشهادات الأكاديمية التي حصل عليها الطلبة الذين استضافهم البرنامج و التي لم يعترف ببعضها.

و ثانيها : عدد سنوات الاعتصام التي قضاها هؤلاء للدفاع عن حقهم المشروع في العمل، و التي و صلت على الأقل إلى خمس أو ست سنوات !

و ثالثها : المهن الحقيرة التي يمارسها بعض الطلبة الباحثين في الحافلات و الشوارع (بيع "الزريعة"، "مسك" …) و غير ذلك مما لا يليق بقيمة الشهادات العلمية التي يحملها هؤلاء.أليس لهؤلاء حق في ضمان مجموعة من الحاجيات الأساسية التي توفر لهم مستوى من العيش الكريم؟ أما آن الأوان في زمن العولمة، للتصدي لظاهرة البطالة التي تعاني منها الأطر العليا في البلاد بكل الطرق المشروعة؟ و من الوجوه التي استضافها البرنامج نذكر من يلي:

     محمد الهيلالي: دبلوم الدراسات المعمقة، تخصص. مقارنة الأديان 

تحدث عن الوضعية المزرية التي يعيشها الدكاترة المعتصمون أمام مقر البرلمان لسنوات عديدة، و عن النضالات التي خاضوها من أجل الدفاع عن حقهم في العمل باعتبارهم طاقات فكرية و علمية لا يجب الاستغناء عنها في بلد يواجه العولمة الزاحفة في زمن التنمية البشرية.و عن الأسباب المساهمة في البطالة أشار محمد الهلالي إلى أن المحسوبية و الزبونية و هدر المال العام من جملة الأسباب التي زادت في تأزم وضعية الطلبة الباحثين، و هو الشيء الذي لم ينفه وزير التشغيل مصطفى المنصوري الذي استجاب مشكورا لدعوة البرنامج، لكنها (حسب قوله) ليست هي السبب الرئيسي.

 د. جعفر بلكودي: الدكتوراه في البيولوجيا

حصل على الدكتوراه في البيولوجيا من جامعة مونريال، تخصص البحث العلمي في السرطان، درس و درس في أحسن و أعرق الجامعات الكندية و الأمريكية و عندما قرر العودة إلى أرض الوطن من أجل فتح مختبر للتحليلات الطبية في السرطان فوجئ بأن تخصصه غير معترف به، و قيل له: " لكي تكون مخبريا يجب ألا تكون دكتورا، بل يجب أن تكون طبيبا أو صيدليا" و في عبارة أخرى المشرع المغربي يمنح رخصة مختبر للتحليلات الطبية للطبيب أو الصيدلي فقط. نعم هذا صحيح، لكن من المؤسف جدا أن يذهب مستقبل عدد من الدكاترة بسبب عدم مسايرة التشريع للمستجدات التي يعرفها البحث العلمي. فجعفر بلكودي يعتبر من الكفاءات العلمية المؤهلة التي يجب ألا يطالها التهميش باعتبار أن الأطباء المختصين في داء السرطان شر ذمة محسوبة على رؤوس الأصابع. نرجو من مديرية الشؤون القانونية و المنازعات بوزارة التربية الوطنية أن تبذل قصارى جهدها لمنح المعادلة لهذا الطالب، و لغيره من ذوي التخصصات العلمية التي يمكن أن تخدم من قريب أو بعيد هذا البلد الحبيب.

 وزير التشغيل: مصطفى المنصوري

أشار في مداخلته الى أن البطالة ظاهرة عالمية تعرفها جميع بلدان العالم. لكن عندما يصرح معاليه أن 27% من الأطر العليا في حالة بطالة، فهذه أرقام مقلقة تدعو الى مراجعة سياسة المنظومة التكوينية حتى تتأقلم هذه الأخيرة مع العولمة الزاحفة سيما و أن حاملي الدبلومات العليا أصبحوا يعانون اليوم أكثر من ذوي التكوينات البسيطة. من جانب آخر صرح السيد الوزير أن القطاع الخاص الذي تعتقد عليه آمال كثيرة، قطاع ضعيف، و غير منظم. و ما يزيده بلة و فسادا أنه –حسب قول الوزير "قطاع عائلي" و هذا صحيح إذ علمنا أن معظم المقاولات، إن لم نقل كلها تشغل فقط كبيرة لا تتوفر على أطر عليا، لا تتوفر على مدير للموارد البشرية، و لا على مدير للحسابات …الخ فأين هو دور القطاع الخاص في التشغيل؟ و في إطار حديثه عن المحسوبية و الزبونبية، أشار السيد الوزير إلى أنه كانت هناك من قبل إنزلاقات كثيرة، لكن اليوم هناك انضباط و مراقبة. ما هي المقاييس التي اعتمدها معاليه في هذا السياق، خصوصا و أن الكل يعلم أن جميع المباريات التي تتخللها امتحانات الشفوية تخضع بنسبة كبيرة لمنطق المحسوبية و الزبونية و "دَبَرْ عْلْيَ و نْدَبَرْ عْلِيكْ"…شيء آخر أثار قلقي و اندهاشي، و هو ما بثته القناة الثانية  يوم الخميس 2 مارس   على شاشة الأخبار. و يتعلق الأمر بأربعة عشر  إطارا مجازا تجرعوا كميات من البنزين نقلوا على إثرها إلى المستشفى. و هؤلاء المجازون هم من خرجي برنامج التكوين التأهيلي : تجرعوا مرارة البنزين بعد أن تجرعوا مرارة البطالة… و الإنتظار… و الوعود الكاذبة… أمام هذه الوضعية المأسوية فإن الجهات المسؤولة مدعوة للتفكير بجدية لإيجاد الحل الأمثل لمشكلة البطالة التي أصبحت شبحا يلاحق كل ولج المعهد… أو الجامعة…

 د. خالد ماجورات، و زوجته حليمة

 يقطن هذا الدكتور ! ؟ رفقة زوجته الطالبة في بيت حقير بمدينة سلا، لا تتوفر فيه أسط شروط الراحة، فهو بيت ضيق جدا لا يليق بمقام دكتور، و لا يتسع للمعرفة الواسعة التي نهلها صاحبه، و ما أثار غيظي أكثر تلك الحالة التي ظهر فيها سعادة الدكتور و هو يتنقل بين البيوت السكنية بحثا عمن يمد له يد المساعدة للدخول إلى حياض شبكة الإنترنيت !إن هذه الحالة وصمة عار في جبين البحث العلمي بالمغربي. أهكذا تكون ظروف الطالب الباحث في بلد يطمح الإنفتاح على العالم الخارجي؟ إن هذه الوضعية بالنسبة لي تعني محاربة العلم، و الثقافة، و المعرفة… و في عبارة أخرى: رفع العلم و قبضه بقبض الدكاترة و العلماء.و من أشراط الساعة أن يرفع العلم. قال (ص): (( من أشراط الساعة أن يرفع العلم، و يثبت الجهل، و يشرب الخمر، و يظهر الزنا))إن هذه الحالات ما هي إلا غيض من فيض. و هي حالات كثيرا ما يرق لها القلب، و يخفف بشدة، بل كثيرا ما تدمع العين كلما امتد بها الوصف إلى المقارنة بين وضعية دكتور عاطل حزين تعس يشقى في الشقاوة بعلمه و ثقافته، و تتحقق له أبسط مستلزمات العيش الكريم، و بين وضعية دكتور آخر سعيد تتهلهل أسارير وجهه بكل مظاهر السعادة و معاني الرضى

.محمد أمقران حمداوي