تماشيا مع البرنامج المحدد للمهرجان، أعطيت مباشرة الانطلاقة الفعلية لفعاليات هذا النشاط بعرض أول مسرحية بعنوان "الغالية" لفرقة مسرح مازاكان-الجديدة وذلك بمسرح المركب الثقافي الفقيه محمد المنوني.    وفرقة مسرح مازاكان-الجديدة هي فرقة مغربية تتألف من ممثلين وأطر شابة. ومسرحية "غالية" هي عبارة عن تراجيكوميديا من تأليف وإخراج الحسين سايسي حسني.     وقد بدأت أحداث المسرحية بمشهد مسرحي سخري صامت أثث لشخصياته شخصيتان اثنتان؛ امرأة منقبة في إزار أبيض اللون ورجل همجي يحمل عصا وينزع عنها خمارها، كما لو أن يدا شريرة تمتد لتنتزع "الغالية" من عالم الطهارة إلى عالم الخبث. وسرعان ما ستتطور الأحداث إلى أن تظهر شخصية طالما بحثت عن الغالية في موقف تطرح فيه هذه الشخصية على نفسها سؤالا عن معنى الذات من تكون؛ هل هي ذات عاقلة أم مجنونة، في لحظة يصبح فيها الجمهور شخصية من بين شخصيات العرض. وفي توظيف متميزللموسيقى بين مشهد مسرحي وآخر بدأ التفاعل الفعلي بين شخصيات المسرحية وذلك بعد أن ظهرت الغالية والسكير الصافي في حوار يكاد يكون خاليا من بؤرة تؤثث لمعناه وفحواه. ومما هو جدير بالذكر أن أحداث هذا المشهد عبارة عن حانة تقليدية تسيرها الغالية، هذه الشخصية التي وجدت نفسها سرعان ما تتأقلم مع البنية السيكولوجية للصافي والموغلة في الحكم الحاكوتي. إنه حلم سيدفع بالغالية إلى تذكر لحظات وذكريات كلها مآسي. هذه اللحظة هي التي تعتبر نهاية المشهد مفسحة المجال لمشهد موال يجمع بين الغالية والعربي في فضاء منزلي أو خيمة بالبادية تلعب فيه الغالية دور الحائكة والعربي دور الخماس غير الراضي عن وضعيته الاجتماعية والرافض لمهنة الخماسة بعد موت مشغله الأول الحاج علي ( شخصية معروفة عند أهل الدوار بانتسابه إلى جد خائن )؛ وهو أمر سيدفع بالأحداث إلى سيرورة تفاعلية توظف التراث الصوفي كالدعوات وتوظيف لهجة الدار البيضاء والنواحي (الجديدة). الأمر الذي أعطى للنص فرجة ومتعة خاصة إذ توظف بعض الكلمات كـ: خويي، العايل، انتينا..     وانطلاقا من وضعيته الاجتماعية البئيسة، يظهر العربي رجلا خوافا من كل رجال الدوار نظرا لأنه مدين من كل أهل الدوار، وهذا ما سيكتشفه الجمهور بعد أن دق باب الدار أحد من أهل الدوار، حيث فطن العربي إلى أن الزائر أحد مسلفيه. وفعلا، إنه الرجل الإقطاعي الحاج امحمد. واستغلالا لوضعيته كمالك للأرض ووضعية العربي السابقة الذكر، حاول الحاج امحمد استمالة الغالية إلى رغباته موظفا لغة رمزية تقترب من الموروث التاريخي المغربي الذي خلفه الاستعمار والمتمثل في الإقطاع. وهذه اللحظة ستجعل الغالية في موقف حرج وبعده سيدخل في سياق الأحداث رجل أحمق تتعامل معه الغالية تارة بتعامل الرجل العارف وتارة بتعامل الرجل المشاكس.وتأكيدا، دائما، على وضعيته البئيسة؛ سيظهر العربي في مشهد يترجم ذلك، حيث يقوم بالتصبين برجليه وهو يتلفظ بعبارات تتبرم من الدهر، الأمر الذي يبين المآل المرير الذي يعانيه.      وبعده ستظهر الغالية، بعد غياب دام شهرين، وهي مدة قبلت فيها طرح الحاج امحمد بالعمل عنده، مستغلا إياها أيما استغلال. وقد قامت بهذا الصنيع لترحم زوجها (العربي) من السجن، هذا الأخير الذي سيرد عليها قائلا: وهل عنده مفاتيح السجن؟ طارحا على نفسه سؤالا وجوديا:     لماذا هذا المصير، ولماذا هذا القدر؟ ولماذا انصاعت الغالية لأفكار الحاج امحمد الاستغلالية؟ وبعد تطور الأحداث متجهة نحو مشهد آخر مواز لمشهد عايناه في أول المسرحية سنكتشف أن الخطاب الذي كان يروج بين الغالية والعربي ليس إلا لحظة استرجاع وظفت في المسرحية؛ نصا، وعرضا بأسلوب إبداعي متميز لنعيش بعده لحظة الرجوع إلى البنية الأصل التي ظل فيها الصافي ينادي الغالية، الغالية الوهم التي كانت ضحية الصافي. وأمام إلحاحه عن السؤال والبحث غير المضني عن الغالية ستظهر جنديتان تحاولان إقناع الصافي بكون مخه أصبح متسخا، الأمر الذي يستلزم، حسب الطب النفسي والسيكولوجيا، استبدال مخه بمخ جديد. ورغم إصراره على الرفض فقد استسلم في الأخير واعترف بأن مخه متسخ. وحسب التقرير الطبي كذلك فإنه من أراد النجاة (فعليه يدخل سوق راسو) وإلا كان إرهابيا متسائلا الصافي: وهل من يبحث عن حبه إرهابي؟وبعد أخذ ورد لإقناع الصافي بالإقرار حتى بما لم يفعل، سيحاول هذا الأخير أن يتذكر بعضا من اللحظات التي جمعته بالغالية. ودون وعي منه سيرجع بذاته إلى الخطاب الأول الذي كان يردده في أول المسرحية ليرجع إلى حيث كان وتنتهي المسرحية كما بدأت.وخلال هذا العرض المسرحي، تم توظيف العديد من التقنيات؛ مثل تقنيات الموسيقى التي تمثلت في تكرار بعض المقطوعات مثل: "غدا تشرق الشمس تضوي بالنور أو كل من ادعى بالقوة ايصبح جناحو مكسور مادامت لشداد أو مادامت لعاد…" كناية على الدعوة إلى التفاؤل وأن مصير الطغاة حتما سينتهي بالانكسار وأن الغد سيشرق لا محالة.    وقد كانت هذه المسرحية من تشخيص الممثلين المغاربة الآتية أسماؤهم:– شادية سمكاوي في دور: الغالية– حسن أشباني في دور: الرداد– سميرة خيضر في دور: العسكري– الحسين سايسي حسني في دور: الصافي– محمد مكار في دور: العربي– السينوغرافيا والديكور: أحمد البدوي– الموسيقى والإنارة: جمال بودويل– التأليف والإخراج: الحسين سايسي حسني        وما هو جدير بالاهتمام أن المهرجان حاول، انطلاقا من العرض المسرحي الأول، أن يحقق هدفه الأسمى المتمثل في تفاعل الجمهور وتعطشهم للكلمة الحلوة والفرجة الممتعة، وهو أمر تبين من خلال الكم الهائل من الجمهور الذي تابع المسرحية، وهذا هو المبتغى.